الأخبار الحصريةالمنتخبات الوطنية

من “لي طاح يجمع الوقفة” إلى “ديرو النية”… كيف تحول المغاربة لمعادلة صعبة في خارطة الكرة العالمية

بقلم: المهدي القشيني

بقلم: المهدي القشيني

لطالما تأملت كثيرا قبل التحدث عن أي سيرة ذاتية، لكن الاستثناء يستدعي ضرورة الإشادة بما تم تحقيقه، ولإنصاف كل مجتهد في سبيل ما يستحق التضحية من أجله. هكذا هو الحديث حول ثنائي مغربي كافح واجتهد وعمل لفترة طويلة بصمت وفي خفاء، ليكون جزاءه حصد المجد الدولي رفقة منتخبات كرة القدم المغربية.

هشام الدكيك و وليد الركراكي، الثنائي الذي يعتبر ضمن الأكثر تداولا في عالم كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة، كيف لا يكونان كذلك وهما اللذان وضعا بصمة تاريخية ستبقى إلى الأبد في سجل الرياضة المغربية. فأحدهم “طاح وجمع الوقفة” وآخر “دار النية” ليتمكنا من جعل المغرب رقم صعب في معادلة كرة القدم العالمية.

إن “الحالمون” هي الصفة التي طالما رافقتنا كمغاربة، وإن الصمود هو الطريق الذي اخترناه في سبيل ما وجهنا دعواتنا لله سبحانه وتعالى بهدف تحقيقه، فكان الارتباط الروحي هو وقود شحن أهدافنا وأداة بلوغ أحلامنا، فنحن المغاربة، أبناء أرض الأحرار.

“لي طاح يجمع الوقفة”، جملة تلخص رحلة هشام الدكيك في سبيل التربع على عرش تاريخ الفوتسال المغربي

يعتبر كل شخص ينكر الإضافة التي قدمها هشام الدكيك إلى كرة القدم المغربية، جاهلا في المعاني الروحية الرياضية، فالمدرب الذي وإن كان ناخبا وطنيا وخبيرا دوليا بالفوتسال، ورغم أن تجربته تبقى في فترة محدودة بكرة القدم رفقة النادي الرياضي القنيطري، إلا أن ما حققه رفقة أسود الفوتسال يبقى ذو تأثير مباشر على الرياضة الأم، وكما تلقب في الثقافة الكروية المغربية “Grand foot”.

انطلق تألق الدكيك في عالم كرة القدم بشكل عام منذ نعومة أظافره، فمنذ طفولته كان صاحب مهارة قيادية ومتمكن في تدبير الأمور داخل الملاعب، إذ يحكي أخوه الأكبر دوليازال الدكيك، أو كما يعرف بـ”بيري”، وهو أحد أساطير نادي أجاكس القنيطري، يحكي أحد الوقائع عن هشام حين كان طفلا، إذ قام باصطحابه إلى ملعب “الكاب” الشهير بمنطقة المعمورة بمدينة القنيطرة، دخل إلى رقعة الميدان وأجلس هشام على دكة الاحتياط لكي يتفرج، وبعد مرور دقائق معدودة، وجد هشام واقفا على جوانب الملعب ويقوم بتوجيه اللاعبين، بل وإنه قام بإخراج شقيقه الأكبر الذي أحضره “دوليازال” بحجة تراجع مستواه في إحدى اللقطات، وجعله ينتظر كثيرا قبل إعادة إدخاله إلى رقعة الميدان.

هي واقعة تنقل تعلق هشام بشيئين منذ صغره، القيادة والرياضة، لكن لا يجب تجاهل دور أمه التي فاقته صرامة في إصرارها على التزام ابنها بدراسته إلى أقصد حد ممكن. فما كان منه إلا أن يكون “مرضي ميمتو” ويلتزم بدراسته، حيث تحصل على شهادة الإجازة في تخصص الاقتصاد السياسي، مع حفاظه على التكوين في المسار الكروي، حيث كان لاعبا جيدا رفقة عديد الفرق القنيطرية وكذلك رفقة المنتخب الوطني المغربي للفوتسال نهاية التسعينات ومطلع الألفية، وكذلك تولى قيادة مجموعة من الفرق المحلية في سن مبكرة، ثم لاحقا مدربا في الفئات السنية للنادي القنيطري وكذلك مدرب مؤقت للفريق، قبل أن يصبح في وقت واحد مدرب لنادي سبو القنيطري للفوتسال، بالموازاة مع توليه قيادة المنتخب الوطني المغربي، فتطورت شخصيته إلى أبعد حد، وحمل على عاتقه مهمة التقدم باللعبة إلى أبعد حد، دون اهتمام لأي عراقيل بشتى أنواعها.

حين نتحدث عن العراقيل التي واجهت الدكيك، فهي حرفيا عراقيل تحبط الإنسان، فالحادثة المميتة التي تعرض لها أشهر قليلة قبل مونديال 2012، والتي أقعدته مدة شهرين في المستشفى ليتجه بعدها مباشرة نحو التايلاند من أجل الإشراف على أسود الفوتسال في مشاركة مونديالية لهم بتاريخ اللعبة. ورغم ذلك، استمرت العراقيل، مرة من طرف إداريين داخل أروقة الجامعة يرفضون؛ على الأقل، تسهيل الأوراق الإدارية لإقامة المعسكرات، لم تحبطه عبارة “واش هاد خينة باقي هنايا”، ولم يوقف اليأس بعد بيعه سيارته الشخصية لإقامة إحدى معسكرات المنتخب الوطني، فما كانت مكافئته إلا بتتويج ثمين من قلب جنوب إفريقيا سنة 2016 بكأس إفريقيا، أتبعها بمشاركة مونديالية (كأس العالم للفوتسال بكولومبيا سنة 2016)، لقيت استحسانا عالميا على مستوى الأداء فوق رقعة الملعب، فارتدى لباس وحش الفوتسال الإفريقي والعربي، وأصبح منتخبا لا يقهر بكأس إفريقيا (العيون 2020) ولقب ثاني على التوالي، ثم اكتساح شامل بنتائج تاريخية في كأس العرب للفوتسال لثلاث سنوات على التوالي (2021-2022-2023)، كأس القارات الدولية سنة 2022 بالتايلاند حين أسقط في النهائي المنتخب الإيراني أحد عمالقة اللعبة على المستوى العالمي، وكذلك كان الأسود بكأس العالم (ليتوانيا 2021)، حين بلغ ربع النهائي وكان على بعد خطوة من إسقاط المنتخب البرازيلي أحد أساطير اللعبة عالميا، فعاد بعدها في مباريات ودية وأثبت أن الهزيمة المونديالية سببها تفاصيل صغيرة، يجب العمل عليها بشكل مستمر، من طرف كافة مكونات اللعبة بالمغرب.

هل كانت تجربة الدكيك ملهمة للقجع “باش يدير النية” ويختار الركراكي كمدرب قبل أشهر قليلة من مونديال قطر 2022؟

اعتاد هشام الدكيك التذكير في كل مناسبة وحين بتأثير فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، على منتخب الفوتسال، فوصوله إلى رئاسة الجامعة كان ذا تأثير جوهري في تغيير مسار الدكيك، بل ومسار الفوتسال على المستوى الدولي. قام بإيلاء اهتمام خاص للعبة، فتم إحداث العصبة الوطنية لكرة القدم المتنوعة، لتصبح مشرفة على تدبير أمور اللعبة بشكل شبه مستقل. لكن الأهم في حديثنا هو علاقته بالمنتخب الوطني المغربي.

لن نتعمق أكثر، وسنكتفي بما سبق ذكره، حول ما قام به الناخب الوطني من تضحيات مالية في سبيل تطوير المنتخب المغربي للفوتسال، لنصل إلى نقطة التحول بتفعيل العلاقة مع فوزي لقجع، لتكون له أجرة قارة على الأقل تساعده في تدبير أموره، بعد خمس سنوات أمضاها هشام دون عقد أو أجر شهري في عهد الجامعة السابقة. قد لقجع دعم مادي مستمر ولا مشروط من خلال توفير كافة الظروف اللازمة في مركب محمد السادس لكرة القدم بالمعمورة، المنشأة الرياضية التي تعتبر نقطة تحول تاريخية في مسار كرة القدم المغربية بشكل عام والفوتسال بشكل خاص وهو الأمر الذي قام الدكيك في تأكيده لي في أكثر من مناسبة، كون المركز أعطى فرصة الإعداد بشكل مستمر دون انقطاع سواء تعلق الأمر بمعسكر المنتخب وأو بإعداد خاص، فما كان الجزاء إلا حصاد الألقاب الواحد تلو الآخر، وبالتالي التأكيد على أن “النية” التي وضعت في إطار مغربي، وليس أجنبي، هي ذات مفعول يستحق إعادة تفعيله في المنتخب الأول لكرة القدم، خصوصا خلال فترة عرفت توالي الخيبات وإثارة الجدل مع مدربين أجانب.

من تابع مختلف محطات المنتخب المغربي للفوتسال، سيتذكر خطاب لقجع، خلال استقبال النخبة الوطنية بعد التألق المتميز في مونديال ليتوانيا 2021، حين تحدث عن الدكيك كنموذج للمدرب المغربي الحريص على كل كبيرة وصغيرة وله القدرة على التأثير بشكل واسع، فقدم توصية أنه سيعتمد عليه مستقبلا لتوجيه الأطر المشرفة على منتخبات كرة القدم المغربية بكافة أصنافها وأن عمله يجب أن يكون بناء على تجربة الدكيك رفقة منتخب الفوتسال والتأثير الذي أحدثه من خلال علاقة استثنائية مع اللاعبين جعلتهم ينفجرون في تقديم أداء متميز لا مثيل له.

يقع الاختلاف كثيرا حول تجربة وحيد خاليلوزديتش، بين من يدافع عنه بالقول أنه كان يحافظ على نتائج إيجابية وأنه قدم العديد من اللاعبين المتميزين وأدمجهم، وبين من يتهمه بضعف أداء تشكيلته وإقصاءه للاعبين متميزين بسبب ضعف تواصله وعدم قدرته على مسايرة النجوم. لكن المؤكد في تجربة المدرب البوسني أن رحلته مع أسود الأطلس بلغت نهايتها، ليكون البحث عن بديل مسألة حتمية وتخضع لمنطق المغامرة، خصوصا أنها جاءت على بعد أشهر قليلة من كأس العالم (قطر2022). فكان البحث عن مدرب مغربي بارز، له القدرة على ضبط الأمور في وقت وجيز مع دراية منه بأحوال النخبة الوطنية، وليس هناك أفضل من لاعب دولي سابق وهو في نفس الوقت مدرب مساعد لعديد من الناخبين الوطنيين في فترات مختلفة، مع تمكنه من التألق القاري رفقة نادي مغربي، والأبرز في الواجهة هو وليد الركراكي.

تأكد أن اختيار مدرب مغربي لقيادة أسود الأطلس في مونديال قطر 2022، هو مسألة أكثر من موفقة، ولأن النجاح يستلزم مغامرة، ولأن الأصل في المغامرة هو الذهاب إلى أبعد الحدود التي تفوق المتوقع، كان المنتخب الوطني المغربي بقيادة وليد الركراكي فوق الأراضي القطرية يحصدون مجدا تاريخيا سيظل محفورا بأحرف من ذهب تاريخ اللعبة، فتمرد على مجموعة نافس فيها وصيف النسخة السابقة (كرواتيا) وأطاح بصاحب الميدالية البرونزية (بلجيكا)، واستمر قطاره بإسقاط منتخب اللاروخا الإسباني وحارسه بونو يبتسم أثناء تصديه لركلات الترجيح، أطاح بمنتخب البرتغال وعميده النجم كريستيانو رونالدو، لغاية توقف محطته في نصف النهائي بهزيمة أمام منتخب فرنسا أثارت الكثير من الجدل والحديث حول خلفياتها، فتارة كان التحكيم معيقا لأسود الأطلس وتارة أخرى كان الحظ حاجزا لبلوغ مرمى الفرنسيين، لكن مهما كانت النتائج بعد تلك المحطة، يبقى بلوغها في حد ذاته هو إنجاز جعل المغاربة يتغنون ويحتفلون ويرددون حتى اللحظة، وأكيد سيستمرون في فعل ذلك لوقت طويل، وهي: “هلا هلا هلا المغاربة سبوعة ورجالة، ديرو ديرو النية ينصرنا العالي تعالى“.

رضى الواليدين، التمسك بالقيم الدينية والوطنية.. الوقود الروحي الذي شحن تألق المنتخبات المغربية

تشترك المنتخبات الرياضية المغربية في العديد من النقط، قد يكون الاختلاف حول قوة الأداء، لكن الاتفاق يبقى حول التمسك بقيم مغربية أصيلة، وهو ما يمكن ملاحظته في أبسط اللحظات، فجميع مشاركات الفوتسال المونديالية كان السجود هو الاحتفال بعد تسجيل كل هدف وكذلك الأمر كان في الكؤوس الإفريقية والعربية. وسيتذكر العالم الرياضي طويلا تمسك لاعبي المنتخب المغربي بقيمهم الدينية في مونديال قطر 2022.

ليس هناك من خدمة للقضايا الوطنية قد يقدمها أسود الفوتسال أكثر من تلك التي فعلوها في مونديال ليتوانيا 2021 حيث كان المنظمون يطلقون في مكبرات الصوت أغنية “المسيرة الخضراء” بعد كل هدف يتم تسجيله من طرف المغرب، وهو ما تكرر 13 مرة، أي مجموع أهداف المنتخب في تلك النسخة من المونديال، و وصف الواقعة يبلغ الرسالة أكثر من أي حديث آخر. إضافة إلى برقيات التهنئة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس التي تلقوها بعد كل إنجاز قاري وعربي ومونديالي.

وعن منتخب كرة القدم (Grand foot)، فعبر تاريخه كان الجميع يتذكر كيف يرفع اللاعبون أكفهم للسماء والسجود حمدا لله وشكرا له على التوفيق في تسجيل الأهداف والانتصارات. لكن الصدى انتشر أكثر في مونديال قطر 2022 مع إرفاق ذلك بانتصارات متميزة، فلا أحد سينسى التزام زكرياء أبو خلال بتعاليمه الدينية داخل وخارج الملعب. الكل سيتذكر توجه اللاعبين نحو أمهاتهم بالمدرجات لتقبيلهم في رأسهم كحركة ترمز إلى رضى الواليدين. والاستمتاع لا زال بالرقصة التي أداها سفيان بوفال مع والدته بعد الانتصار على منتخب البرتغال وبلوغ نصف نهائي كأس العالم.

أما التأكيد الرسمي حول مدى عمق علاقة اللاعبين مع أمهاتهم، فكان في الاستقبال الذي خصصهم الملك محمد السادس حين عودة المنتخب من الأراضي القطرية، حيث تم استضافة مكونات المنتخب في القصر الملكي بالرباط، وحين تم دخولهم إلى الغرفة المخصصة للاستقبال الرسمي، كان يتم إدخال اللاعبين برفقة أمهاتهم مع أخذ صورة تذكارية رفقة الملك، كرسالة ملكية واضحة لا تقبل تفسيرا غير أن رضى الواليدين هو أساس النجاح في الحياة.

تبقى أشهر عبارة قالها الدكيك، والتي تلخص قيمه الأساسية، تلك التي حاول بها تحفيز لاعبيه في نهائي كأس أمم إفريقيا (العيون 2020) حين قال لهم في الوقت المستقطع بالشوط الثاني عبارة: “لي طاح يجمع الوقفة”، ليوصل رسالة باطنية أن التعثر هو شيء لا مفر منه في الحياة لكن الأهم أن كل من تعثر يجب أن يستجمع أوراقه ويستمر في أداء مهمته.

أما الركراكي، فقد ترك في قلوب المغاربة بصمة ستبقى خالدة لوقت طويل جدا، وذلك بسبب ما قاله في المؤتمر الصحفي قبل مباراة ثمن نهائي كأس العالم (قطر 2022) أمام إسبانيا، حين طلب من المغاربة “يديرو النية”، فأدى المغاربة بكل “نية” طلب الركراكي وما كان من الأخير من الأخير إلا أن يقفز فوق التوقعات ويصعد في رحلة تاريخية نحو نصف النهائي.

في الختام، أريد القول أن المقارنة بين المدربين جاء في تجربة أعتبرها وليدة تجربتين مكملتين لبعضهما البعض، بين واحدة عمل عليها شخص قام بالتضحية كثيرا قبل الوصول إلى القمة، وآخر عمل في صمت ولم يعر اهتماما لأي انتقاد، ليرسما معا مكانا متميزا للمغرب في خارطة كرة القدم العالمية. ثنائي أعتبرها قدوة يمكن أن يلجأ إليه كل مغربي في سبيل تحقيق الأهداف، شخصية كانت أم جماعية. ثنائي تجمعهم صداقة جميلة وتنافسية تضع كل واحد فيهما كحافز للآخر لأجل التقدم أكثر، ففي لقطة طريفة، حكى الدكيك مؤخرا عن حديث بينهم وبين الركراكي، حيث قال هشام لوليد: “أنا وصلت لربع نهائي المونديال ونتا وصلتي لنصف النهائي، راك صعبتي عليا المهمة أكثر”، ليرد عليهم وليد بعد تحقيق منتخب الفوتسال كأس العرب للمرة الثالثة تواليا: “ومنتخبك يا هشام أصبح منتخب الألقاب وبالتالي التحدي عندي ولا أكثر صعوبة”.

فهل سيتمكن هشام الدكيك يوما ما من حصد لقب كأس العالم للفوتسال؟ وهل سيقود وليد الركراكي أسود الأطلس للتويج بكأس إفريقيا للأمم؟ الأقدار تخبئ لنا كل الاحتمالات الممكنة، والدعاء واليقين بالله سبحانه وتعالى سيفتح لنا كل أبواب أحلامنا، فنحن في البداية والنهاية، يبقى اسمنا: “المغاربة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: