
سعيد عطا
تحاشيت قدر المستطاع الخوض في بعض الأمور التي اعتبرتها ظرفية لا تستحق الحديث عنها، وإعطاءها حجما أكبر منها لتفاهتها ورعونة الأشخاص التي تصدر منهم، لكنني في هذه المرة وجدت نفسي وقد هزني الوازع الوطني مجبرا على إثارتها وإيلائها الأهمية اللازمة، من هذه الأمور الرعناء قضية ردود إعلام قصر المرادية، الغارق في نسج الأكاذيب ورد كل فشل أصاب ميدانا من الميادين إلى المغرب وشخصياته، فبعد الحملة الشعواء التي شنها هذا الإعلام بمعية ذبابه الإلكتروني على السيد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، يأتي الدور على شخصية مغربية اخترقت أفق النجاح بإنجازات الكرة المغربية بصنفيها، إنه فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم الذي أصبح الشخصية المحورية التي تحرك سواكن الإعلاميين المنتمين لطابور إعلام الكابرانات الجزائرية.
ثلاث قضايا “كبرى” تشغل الرأي الإعلامي الجزائري، المخزن وناصر بوريطة وفوزي لقجع، وكأن هذه القضايا هي الأسباب الرئيسية التي تصيب كل مشاريع حكام قصر المرادية بالفشل الذريع، فيكفي أن تبحر عبر القنوات الجزائرية الرسمية والمأجورة لتجد نفسك وقد أصابك الإحباط من كثرة تكرير التفاهات وإلصاق التهم على عواهنها، تضحك مرة وتحزن أخرى للسقوط المدوي لهذه القنوات، وقد ركنت مواضيع التنمية وحل المشاكل الاجتماعية العالقة في الرفوف، وانشغلت بهذه الشخصيات لدرجة أنها أصبحت الشماعة التي تعلق عليها كل أسباب الفشل، في السياسات العمومية التي ينشد منها المواطن الجزائري البسيط عتقا من الأوضاع التي باتت تجثم على صدره ليل نهار.
كانت مقابلة عادية لكرة القدم، وتحولت إلى مبارزة بالكلام والسب والشتم والقدح في الأعراض، فالحمد لله أن الفريق الوطني الموريتاني هو الذي كان الخصم، ولو كان غيره لقيل الكثير بدءا من الرشوة وشراء ذمم الحكام والتحكم في أعضاء الجامعية الإفريقية لكرة القدم، مع العلم أن الإعلام الجزائري الساقط لن يصمت على هذه الهزيمة المذلة التي تعرض لها فريقه الوطني والتي على إثرها خرج بخفي حنين من الدور الأول، وتنتظره الطائرة ليعود من حيث أتى، أنا هنا لا أتشفى وقلبي مع الجماهير الجزائرية الشقيقة، ولكنني أنبه إلى مسألة أساسية هي أن الفشل لا يعني النهاية، فالفشل يكون عند ذوي الألباب الراجحة بداية لإعادة النظر في سياسة البلد عامة والسياسة الرياضية خاصة، فلا البكاء والعويل سيصلحان ما فسد ولكن بالتروي والاعتراف بالخطأ سيبدأ مشوار الإصلاح الحقيقي، كرة القدم قبل كل شيء لعبة ومن يقحمها في السياسة بليد أحمق أخرق لا يعرف السياسة أصلا، فحكام قصر المرادية الذين جعلوا من الرياضة مجالا للعداوة والحقد والبغض لا يفهمون في السياسة قيد أنملة، هم فقط أناس تسلطوا على السلطة، وابتليت بهم الجزائر الحبيبة، وأصبحوا عالة على الوحدة المغاربية التي نادى بها عقلاء بلدان المغرب العربي، منهم جزائريون عقلاء يقدمون مصلحة بلدهم على مصالحهم الشخصية، لكن مع كل الأسف هؤلاء إما زج بهم في السجون وإما غادروا الجزائر مكرهين وإما فضلوا الصمت خوفا على أرواحهم، فنظام الكابرانات نظام قاتل لا زال يعيش الفترة الستالينية في الجزائر، متجاهلا أن العالم لم تعد به معسكرات اشتراكية كالسابق، النظام الجزائري أصبح خطيرا على العالم، لأنه يمارس الإرهاب الفكري على كل من عارضه وتفوه بكلمة حق في وجهه.
كرة القدم لعبة حولها نظام قصر المرادية إلى ساحة حرب، ولنتذكر مقابلة الجزائر مع مصر ومقابلة الجزائر ضد الكاميرون، وها هي مقابلة المنتخب الجزائري ضد منخب المرابطين قد تثير موجة من الحقد والضغينة على الإخوة في موريتانيا، وسيكون السبب مع كل الأسف رجالات النظام الأخرق وكابراناته الذين يتغدون على مثل هذه العداوات ويجعلونها عقيدة تحرك سواكنهم، وتغذي إعلامهم من أجل حماية مصالحهم، فالشعب الجزائري الشقيق في غالبيته يشعر بنبض العروبة والإسلام كباقي شعوب الدول العربية والإسلامية، ولكن الحكام الذين ابتليت بهم الجزائر الشقيقة يخوضون في المياه العفنة من أجل تعكير المياه الصافية، وجعلها مرتعا لكل الشوائب والقاذورات التي تصيب في مقتل كل اتحاد يمكن أن يقوي الشعوب العربية، فالقضية أكبر من أن نقيسها بزرع الحقد والضغينة، فهي قضية مغاربية عربية إسلامية تهدد كيان أمتنا وتجعل منها مرتهنة للأعداء، وما يقوم به حكام المرادية من هجوم منظم على المغرب لن يمكن استثناؤه من الأجندات الغربية التي بنت سياستها على مبدإ “فرق تسد“.
لم يكن المغرب في يوم من الأيام ضد الشعب الجزائري ولا زال عاهله إلى حد الساعة وفي كل خطاباته يمد يده إلى الأشقاء في الجزائر، لكن على حكام قصر المرادية أن يعلموا أن مد اليد هذه ليس ضعفا، بل هو قوة نابعة من إيمان المغرب بقضيته الوطنية أولا وقضاياه العربية والإسلامية ثانيا، فلا تسقطوا غصن الزيتون من يد المغاربة، لأن البندقية موجودة باليد الأخرى، وما تريث المغرب إلا مسألة نابعة من تبصر حاكمه وصبر شعبه، لكن وعلى رأي الشاعر الغنائي عبد الوهاب محمد: “إنما للصبر حدود“.
لقد تمادى حكام قصر المرادية وإعلامه في الرعونة، لدرجة أنهم أصبحوا يكذبون كما يتنفسون، فنظرية اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، لم تعد ذات جذوي في عصر الأنفوسفير والبيانات الضخمة والشبكة العنكبوتية التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، فكل كبيرة وصغيرة أصبحت تحت المجهر يحللها الأعداء قبل الأصدقاء، والذكاء الاصطناعي وحده بات يفضح أكاذيبكم، فكفاكم افتراء على العقيدة الإسلامية وعلى التاريخ فرئيسكم لم ولن يكون سبطا للنبي أو رسولا كما تدعون، والكسكس والقفطان والزليج لن يكونوا إلا صناعة مغربية حقة خالصة، فالتاريخ لن يصنع إلا بالوثائق التي تثبت الحقائق، كما أن التاريخ لم يعد وصفا وسردا للأحداث فقط بل أصبح تاريخا إشكاليا يفتت الوقائع ويهدمها ثم يعيد بنائها من جديد في مواضيع تخضع للمنطق والعقل وليس للافتراء والزعم، فزمن الكذب واختلاق الوقائع قد ولى بدون رجعة، ولا يصح إلا الصحيح في زماننا هذا فاستيقظوا من سباتكم قبل فوات الأوان وإلا سيلقي بكم التاريخ في مزبلته.




