
سيغيب عن أولمبياد طوكيو العداء الأسطورة الجامايكي أوسين بولت بعد اعتزاله، وهو غياب يقلق المشرفين على ألعاب القوى الدولية بحكم أن شخصية هذا البطل، المعروف بحركة البرق وصاحب الابتسامة الدائمة، كانت استثنائية على المضمار، إذ “يتمتع بكاريزما لا تضاهى في تاريخ رياضتنا وفي الرياضة بشكل عام”، حسب رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى البريطاني سيباستيان كو. ويحوز هذا البطل الرقميين القياسيين لمئة متر ومئتي متر.
تفصلنا مئة يوم على موعد أولمبياد طوكيو، التي يغيب عنها العداء الأسطوري الجامايكي أوسين بولت المعتزل. وهذا الغياب سيكون له أثر كبير على أجواء المنافسة. بحكم أنه بطل من طراز خاص، عرف كيف يحصد الألقاب ومعها قلوب الجماهير بحركاته العفوية.
فهو شرس في المضمار وشخصية استثنائية: لم يبن بولت أسطورته على الألقاب والأرقام القياسية التي لا تقارن فحسب، بل أضفى رونقا خاصا على نتائجه بنوع من الاستعراض الفطري، وهذا ما ستفتقده أم الألعاب كثيرا في أولمبياد طوكيو الصيف المقبل.
ومن 2008 حتى 2016، كان “البرق” الشخصية المركزية الأكثر استقطابا في الألعاب الأولمبية بأكملها وليس في ألعاب القوى وحسب، محققا في طريقه إلى المجد ثماني ذهبيات وأزمنة صاروخية.
وبوداعه لأم الألعاب في صيف 2017 بعد مونديال لندن، ترك الجامايكي فراغا كبيرا جدا، سيكون من الصعب على أحد أن يسده، على الأقل في المستقبل القريب.

معشوق الجماهير
فرض الجامايكي نفسه معشوق الجماهير والمعلنين. وكان حالة فريدة في تاريخ ألعاب القوى، وبابتسامته العريضة التي لا تفارق محياه ورقصات قصيرة قبل كل سباق، قدم بولت على المضمار صورة تناقض الحركات الآلية المعتادة للعدائين.
أما حركة “البرق” الشهيرة التي يمد من خلالها يديه وذراعيه نحو السماء، فتحولت إلى أشبه بعلامة مسجلة باسمه بعد كل فوز، وتكرر تقليدها في العالم بأسره حتى من قبل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عندما قام بزيارة رسمية إلى جامايكا عام 2015.
صحيح أن هناك الكثير من المواهب التي لا يجب تهميشها، مثل نجم القفز بالزانة السويدي أرمان دوبلانتيس، لكن ليس باستطاعة أي أحد منافسة سحر بولت وشهرته.
وما يزيد من حجم الفراغ أن سباق المئة 100 م الذي عادة ما يكون الأكثر استقطابا وأهمية في الألعاب الأولمبية أو أي لقاء وبطولة، يفتقد أيضاً بطل العالم الأمريكي كريستيان كولمان، بسبب الإيقاف لعامين نتيجة تخلفه ثلاث مرات عن فحص المنشطات، ما يفتح الباب أمام نواه لايلز ليصبح أول أمريكي يحرز ثنائية 100-200 م منذ كارل لويس.
بولت المحب للمرح والدعابات
وكان رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى البريطاني سيباستيان كو مدركا لحجم الفراغ الذي سيخلفه اعتزال بولت “العبقري الذي يتمتع بكاريزما لا تضاهى في تاريخ رياضتنا وفي الرياضة بشكل عام”، بحسب قوله قبل اعتزال الجامايكي.
أضاف “لا يوجد إلا (الملاكم الأمريكي الراحل) محمد علي الذي يمكن أن يقارن به. أنا أضع الاثنين في خانة واحدة. لم يبلغ بولت هذا المستوى من العظمة عالميا بسبب ألقابه وأرقامه القياسية فقط، وانما أيضا بفضل شخصيته”.
كان السباق دائما بمثابة تسلية لحامل الرقم القياسي لسباقي السرعة (9,58 ثوان في 100 م و19,19 ثانية في 200 م)، حتى أن بولت المحب للسهر والموسيقى والرقص، لم يخف عدم جديته في التمارين، ما سبب مصاعب ومشاكل لمدربه و”معلّمه” غلين ميلز.

كسر بولت بأسلوب حياته الصاخب المحب للمرح والدعابات، القواعد السائدة في العالم الصارم لألعاب القوى. الأمثلة عديدة: رقصة “سامبا” مرتجلة مع راقصات برازيليات في ختام مؤتمر صحافي قبيل انطلاق دورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2016 في ريو دي جانيرو، أو رمي رمح ليلاً في ملعب فارغ بعد ساعات من إحرازه ذهبيته الثالثة في الأولمبياد البرازيلي…
من يخلف بوت ؟
بالنسبة إلى حامل الرقم القياسي العالمي السابق في الوثب الثلاثي خلال فترة الثمانينات، تظل ألعاب القوى رياضة “مرنة”، مضيفا “بعد اعتزال كارل لويس أو سيرغي بوبكا، واصلت (الألعاب) نموها. خسرنا بولت، رياضي جيل ما سيستغرقنا بضعة أعوام للتأقلم، لكن هناك جيلاً آخر من الرياضيين الذين يشقون طريقهم والذين سيستقطبون انتباه الجمهور”.
لكن ريمي شاربانتييه، مدير لقاء موناكو لألعاب القوى الذي استضاف الجامايكي مرتين (2011 و2015)، يعتقد أنه “يجب ألا نسعى بأي ثمن لإيجاد النجم الجديد”.
وأوضح لوكالة الأنباء الفرنسية “لن يكون هناك تركيز على شخصية واحدة وسنعود إلى ما كنا نعرفه سابقا. لقد جلب بولت قيمة مضافة لألعاب القوى ولكن المنتج كان قيماً في الأصل. الدليل أن الدوري الماسي وقع في نهاية عام 2019 مع شريك رئيس (المجموعة الصينية واندا) بعد عامين من اعتزال بولت”.

لكن في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية قبيل اعتزال بولت، قال المتخصص في الاقتصاد الرياضي فنسان شوديل إن “ثقله (بولت) الاقتصادي مرتبط بعاملين: الأول هو ثقله الرياضي، والثاني هو الناحية الاستعراضية في رياضة تفتقر إلى نجوم إعلانات. لقد عرف كيف يتلاعب بقواعد مجتمع اليوم. نعيش في عصر الصورة والاتصالات، وقد تلاعب بذلك حتى العمق”.
تعزّزت “هالته”، بحسب شوديل، لكون مسيرته لم تشبها شائبة في مجال الخشية من المنشطات، موضحا أنه “من الرياضيين أصحاب الحركات التقنية الصافية مثل (نجم كرة المضرب السويسري) روجيه فيدرر الذي لا يمكننا أن نتخيل للحظة تأثره بهذا النوع من الآفات”.
وما يزيد من حجم المشكلة التي يواجهها القيمون على ألعاب القوى، أن التوقف القسري الذي فرضه تفشي فيروس كورونا لأشهر عدة، وتسببه بإلغاء الكثير من الأحداث، جعل الناس يفتقدون إلى النجم المرجع الذي يمكن أن يروا فيه مثالهم الأعلى أو بطلهم المستقبلي.


