
المغرب بين اعتراف الغرب وحملات التشويه العربية: مفارقة النجاح والغيرة
سعيد جلدي
منذ الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في مونديال قطر، لم يعد اسم المغرب يذكر في الغرب بوصفه منتخبا مفاجئا، بل كقوة كروية صاعدة بثبات. شهادات مدربين كبار، من إسبانيا وألمانيا والبرازيل وهولندا، وآخرهم مدرب “لاروخا” لويس دي لا فوينتي، تؤكد أن المغرب بات مرشحا حقيقيا لمنافسة الكبار على الألقاب العالمية. هذا الاعتراف لم يأت من فراغ، بل من قراءة موضوعية لمنظومة عمل، وبنية تحتية، واستثمار طويل النفس.
في المقابل، وعلى نحو يثير الاستغراب، يواجه هذا النجاح المغربي حملة تشكيك وتشويه صادرة من بعض المنابر العربية، لا تقف عند حدود النقد الرياضي المشروع، بل تتجاوزها إلى التقليل والسخرية والتشكيك في كل إنجاز، من تنظيم كأس إفريقيا إلى جودة الملاعب والبنيات الرياضية.
الغرب، في تعاطيه مع التجربة المغربية، ينطلق من منطق بسيط: احترام النتائج والاعتراف بالعمل الجاد. لا تهمه الخلفيات الإيديولوجية ولا الحسابات العاطفية، بل الأرقام، والتخطيط، والنجاعة. لذلك يصفق حين يرى منتخبا يصل إلى نصف نهائي المونديال، ويثني حين يلاحظ بنية رياضية تضاهي المعايير الأوروبية.
أما في بعض الفضاءات العربية، فالمشكلة أعمق من كرة القدم. إنها أزمة ذهنية قبل أن تكون رياضية. فنجاح المغرب يقرأ هناك كفشل للآخر، بدل أن يُنظر إليه كنموذج ملهم. وهنا تتحول المنافسة الصحية إلى غيرة، والاختلاف إلى خصومة، والإنجاز إلى مصدر استفزاز.
هذه المفارقة تطرح سؤالا جوهريا: لماذا يمدحنا الغرب ويهاجمنا “الأشقاء”؟ الجواب يكمن في طبيعة الثقافة السائدة. ثقافة العمل والتراكم تعترف بالناجح، بينما ثقافة التبرير والبحث عن شماعات ترى في نجاح الآخر تهديدا لخطابها الداخلي.
المغرب اختار طريق البناء بصمت، واستثمر في التكوين والبنية التحتية والدبلوماسية الرياضية، دون ضجيج ولا شعارات. والنتيجة أن العالم أصبح ينظر إليه كشريك موثوق ومنظم قادر على احتضان التظاهرات الكبرى، بينما لا تزال بعض الأصوات العربية أسيرة منطق المؤامرة والحسد.
خلاصة القول، إن احترام الغرب للمغرب ليس صدقة ولا مجاملة، بل اعتراف بواقع ملموس. أما حملات التشويه العربية، فهي ضريبة النجاح، ودليل على أن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح. فالتاريخ لا يذكر من هاجم، بل من بنى ونجح وفرض اسمه بين الكبار.




