الأخبار الحصرية

نهائي الرباط: حين يتحوّل التحكيم إلى سؤال سيادي

نهائي الرباط: حين يتحوّل التحكيم إلى سؤال سيادي

بقلم: د. حسن شتاتو

لم يكن نهائي كأس إفريقيا الذي احتضنته العاصمة المغربية الرباط مجرد مباراة في كرة القدم تُحسم بنتيجة داخل المستطيل الأخضر، بل تحوّل، بفعل ما رافقه من قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وسياقات محيطة مقلقة، إلى محطة فارقة تفرض على المغاربة طرح أسئلة عميقة تتجاوز النتيجة، وتمسّ جوهر العدالة الرياضية، وأمن التظاهرات، وحدود التساهل باسم التنظيم وحسن النية.

هذا المقال لا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا يوزّع الاتهامات جزافًا، لكنه يرفض في المقابل منطق التخدير والتبسيط، ويصرّ على طرح الأسئلة التي يملك الشعب المغربي كامل الحق في طرحها، خاصة حين يتعلق الأمر بمنتخبه الوطني، وعلى أرضه، وأمام جمهوره.

أولًا: ركلة الجزاء… هل أضاعها اللاعب أم أُهدر حقها تحكيميًا؟

قُدّمت ركلة الجزاء التي نفذها اللاعب دياز للرأي العام باعتبارها ضياعًا تقنيًا، وكأن الأمر انتهى عند قدم اللاعب. غير أن هذا التوصيف يُغفل السؤال القانوني الحاسم:

هل نُفّذت ركلة الجزاء وفقًا لقانون اللعبة؟

قانون كرة القدم، كما ينص عليه مجلس الاتحاد الدولي (IFAB) في المادة 14، واضح وصريح:

يجب أن يكون حارس المرمى عند تنفيذ ركلة الجزاء على خط مرماه، مع بقاء قدم واحدة على الأقل ملامسة للخط إلى أن تُركل الكرة.

اللقطات المتداولة، والتي لم يصدر بشأنها أي تفنيد رسمي، تُظهر حارس مرمى السنغال متقدمًا بكلتا قدميه خارج خط المرمى لحظة التسديد.
وفي حال ثبوت ذلك عبر تقنية الحكم المساعد بالفيديو (VAR)، فإن القرار السليم قانونيًا هو إعادة ركلة الجزاء، لا احتسابها ضائعة.

غياب إعادة التنفيذ، وغياب أي توضيح رسمي من طاقم التحكيم أو لجنة الحكام بالكاف، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل:
• هل فُعّلت تقنية الـVAR أصلًا؟
• وإن فُعّلت، لماذا لم يُطبّق القانون؟
• ولماذا تُرك الرأي العام دون تفسير؟

أما فرضية وجود توجيهات أو اعتبارات غير رياضية، فهي سؤال مشروع في سياق كرة إفريقية مثقلة بالسوابق، لا اتهامًا مثبتًا ولا فرضية يمكن إسكاتها بالصمت.

ثانيًا: الهدف السنغالي… خطأ عنيف سبق التسجيل ولم يُراجع

الهدف الذي سجله المنتخب السنغالي لم يكن نتيجة احتكاك عادي مع المدافع المغربي جواد الياميق، بل جاء بعد تدخل عنيف وواضح من لاعب سنغالي آخر في حقه، تدخل مكّن زميله من الانفلات وفتح زاوية التسديد وتسجيل الهدف.

هذا التدخل، وفق قوانين اللعبة:
• يُعد خطأً مباشرًا،
• وكان مؤثرًا بشكل واضح في بناء الهجمة،
• ويقع ضمن الحالات التي توجب تدخل الـVAR وإلغاء الهدف إن ثبتت المخالفة.

القانون لا يشترط سقوط المدافع أرضًا حتى يُحتسب الخطأ، ولا يعفي الحكم من المراجعة لأن اللاعب قاوم واستمر في اللعب.
المعيار الوحيد هو: وجود تدخل غير مشروع أثّر مباشرة في تسلسل اللعب المؤدي إلى الهدف.

عدم مراجعة هذه اللقطة يطرح سؤالًا ثقيلًا:
هل كان القرار نفسه سيتخذ لو كان التدخل من لاعب مغربي داخل منطقة السنغال؟

ثالثًا: التحكيم الإفريقي… أخطاء معزولة أم نمط متكرر؟

حين تتجمع هذه الوقائع في مباراة واحدة، يصبح من حق المتابع المغربي أن يتساءل:
هل نحن أمام أخطاء بشرية معزولة؟
أم أمام نمط تحكيمي يظهر في المباريات الحاسمة حين يكون المنتخب المغربي طرفًا مباشرًا؟

السؤال هنا لا يُصدر حكمًا نهائيًا، لكنه يطالب بـ:
• تحقيق تقني شفاف،
• نشر تقرير رسمي يشرح القرارات،
• وتوضيح معايير تفعيل أو تعطيل الـVAR.

فغياب الشرح هو ما يغذّي الشك، لا طرح الأسئلة.

رابعًا: الشغب والجمهور… التحذير واجب لا تحريض

ما رافق اللقاء من توترات في المدرجات لا يمكن عزله عن سياق سياسي إقليمي معروف.
التحذير من حضور جماهير جارة السوء إلى التظاهرات الرياضية المقامة فوق التراب المغربي ليس دعوة للكراهية، بل قراءة واقعية لتجارب سابقة، حيث استُخدمت الرياضة أداة للاستفزاز، والتوتير، ومحاولة تشويه صورة المغرب قاريًا ودوليًا.

الأمن الرياضي قرار سيادي، ومن حق الدولة — بل من واجبها — أن تمنع أي حضور يُحتمل أن يُستغل سياسيًا أو أمنيًا، دون انتظار الانفلات ثم البحث عن مبررات.

خامسًا: شبيبة القبايل × الجيش الملكي… هل نستوعب الدرس أم نكرر الخطأ؟

بعد أيام قليلة من نهائي الرباط، يستقبل المغرب نادي شبيبة القبايل لمواجهة الجيش الملكي ضمن دوري أبطال إفريقيا.
وهنا يُطرح السؤال بحدة:

هل سنستوعب درس نهائي الكان؟
أم سنكرر نفس السذاجة التنظيمية؟

هذه المباراة ليست حدثًا عابرًا، بل اختبار حقيقي:
• في منح التأشيرات،
• وضبط الجماهير،
• ومنع أي اختراق سياسي أو أمني.

تجاهل هذا المعطى يُعد تخديرًا للرأي العام واستخفافًا بمطالب شعبية واضحة.

سادسًا: تمثيل المغرب بالمنتخب المحلي فقط… رسالة احتجاج سيادية

أمام ما يعتبره كثير من المغاربة تحاملًا تحكيميًا وتدبيريًا داخل المنافسات الإفريقية، يبرز مطلب مشروع:

تمثيل المغرب في التظاهرات الإفريقية بالمنتخب المحلي فقط.

هذا الخيار ليس انسحابًا، بل رسالة احتجاج سيادي مفادها:

المغرب يشارك، لكنه يرفض أن يكون ضحية منظومة غير عادلة.

سابعًا: الاعتذار عن تنظيم كأس إفريقيا النسوية… موقف لا عداء

بعد ما شهده نهائي الرباط من إحساس عام بالإهانة الرياضية فوق الأرض المغربية، يطرح مطلب واضح:

الاعتذار عن تنظيم بطولة كأس إفريقيا النسوية.

هذا الموقف لا يمس بقيمة كرة القدم النسوية، بل يبعث برسالة واضحة:

لا تنظيم بلا احترام، ولا ضيافة بلا عدالة.

خاتمة: لسنا ضد إفريقيا… نحن ضد الظلم

المغرب لم يكن يومًا ضد كرة القدم الإفريقية، بل كان من أكبر داعميها تنظيمًا واستثمارًا.
لكنه يرفض أن يتحول حسن النية إلى سذاجة، والتنظيم إلى ثمن للصمت.

كرة القدم تُحسم داخل الملعب،
ولا يجب أن تُدار في الغرف المغلقة.

ومن لا يفرض شروط الاحترام،
يُفرض عليه القبول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: